عند ابتكار مؤلفة جديدة، كان فانجيليس يحاول أن يلتقط الموسيقى قبل أن يتدخل العقل أو تمسها يد التعديل، أو كما قال هو نفسه: "الفكر أداة للتحليل، ولذلك لا يمكن أن يكون أداة للإبداع".
في الحقيقة، يكشف ذلك جوهر إبداع فانجيليس الموسيقي. فعندما يؤلف، يغيب كلياً في اللحظة، مستعيناً بعقله ويديه لخلق مؤلفاته. وعندما سئل عن ذلك الينبوع اللامحدود من الألحان، قال: "أعتقد أن الألحان تحيط بنا في الفضاء. إنها في الطبيعة. نحن نستحم في الصوت، فإما أن نسمعه أو لا نسمعه. وإذا جعلنا أنفسنا مهيئين له فإنه يأتي إلينا. أنا لست أكثر من رادار يتلقى رسالة من الأفلاك".
اتخذت مسيرة فانجيليس المتنوعة كثيراً من المنعطفات، إلا أن موسيقاه تركت أثراً بعيد المدى. إنها تلهم الإنسان، وترتقي به، وتضمد جراحه، كما دفعت حدود الموسيقى التقليدية إلى آفاق أوسع. ولا شك أن فانجيليس سيظل، مع مرور الزمن، واحداً من أعظم المؤلفين الموسيقيين في القرن الحادي والعشرين.
في 2018 تعاون فانجيليس مع مصمم الرقص راسل ماليفانت في عمل The Thread، وهو عرض رقص قدم للمرة الأولى في مسرح سادلرز ويلز في لندن. استكشف العمل الرقص اليوناني التقليدي بلغة مسرحية معاصرة، وجمع موسيقى فانجيليس الإلكترونية القوية بإضاءة مايكل هالز وأزياء ماري كاترانتزو، ليخلق نقطة لقاء حية بين الثقافة القديمة والخيال المسرحي الحديث.
وفي وقت لاحق من 2018 أبدع فانجيليس The Stephen Hawking Tribute، وهي مقطوعة أصلية كتبت لحفل تأبين البروفيسور ستيفن هوكينغ. تضمنت الموسيقى صوت هوكينغ نفسه، وأرسلتها وكالة الفضاء الأوروبية إلى الفضاء من محطتها الأرضية في سيبريروس بإسبانيا، باتجاه أقرب ثقب أسود إلى الأرض. كانت تلك اللفتة شاعرية ومؤثرة، إذ ربطت حياة هوكينغ الأرضية بالكون الذي قضى عمره يحاول فهمه، وقدمت وداعاً موسيقياً كريماً وإنسانياً لأحد أعظم العقول العلمية في العصر الحديث.
في يناير 2019 أصدر فانجيليس Nocturne: The Piano Album. قدمت هذه المجموعة التأملية مؤلفات جديدة للبيانو إلى جانب قراءات حديثة لبعض أشهر ألحانه، ومنها موسيقى Chariots of Fire وBlade Runner. ورغم شهرته الواسعة بعوالمه الإلكترونية، ذكّر الألبوم المستمعين بصفاء موهبته اللحنية وبجو ليلي حميم مملوء بالسكون.
في 2019 أيضاً ألّف فانجيليس موسيقى عرض ماري كاترانتزو لربيع وصيف 2020، الذي أقيم في معبد بوسيدون القديم عند رأس سونيون. واحتفاءً بالتراث اليوناني وبالذكرى الثلاثين لمؤسسة ELPIDA، منحت موسيقاه الخاصة الحدث طابعاً احتفالياً مهيباً.
في 2021 أصدر فانجيليس ألبوم Juno To Jupiter، مستلهماً مهمة ناسا "جونو" واستكشافها لكوكب المشتري العملاق. وكما في Rosetta، ولد الألبوم من لقاء الموسيقى بعلوم الفضاء، غير أن الرحلة هنا جاءت أوسع وأكثر درامية. شارك في العمل صوت السوبرانو أنجيلا غورغيو، وانفتح كرحلة موسيقية كونية مملوءة بالغموض والعظمة والدهشة السماوية، مواصلاً حوار فانجيليس الطويل مع الكون.
وفي الفترة نفسها تقريباً، ألّف فانجيليس موسيقى فيلم أوليفر ستون الوثائقي Nuclear Now. تناول الفيلم الطاقة النووية ودورها المحتمل في مواجهة تغير المناخ. ومنحت موسيقى فانجيليس العمل إحساساً بالإلحاح والوقار والتأمل، وأظهرت قدرته على إضفاء بعد عاطفي وفلسفي أرحب على أسئلة حديثة معقدة.
وفي قبة أوجينيدس السماوية في أثينا، قدم عمل We Are Stardust رحلة مؤثرة عبر العلم والموسيقى وكون فانجيليس. تضمن العرض موسيقى لم تنشر من قبل لفانجيليس، مع سرد لديونيسيوس سيموبولوس، المدير الفخري للقبة وصديق المؤلف العزيز. وفي البيئة الغامرة للقبة السماوية، عادت موسيقى فانجيليس لتلتقي بالنجوم مرة أخرى.
في 2007 طلب المخرج اليوناني يانيس سماراغديس من فانجيليس أن يكتب موسيقى فيلم El Greco، عن حياة رسام عصر النهضة في القرن السادس عشر إل غريكو، منذ مغادرته كريت بحثاً عن الحرية الفنية. يستكشف الفيلم عالمه الفني المضيء وما جلبه له أحياناً من مواجهة قبل أن يقوده إلى الشهرة. وقد منحت موسيقى الختام فانجيليس تقديراً متجدداً، وأضافت إلى مكانته الراسخة كمؤلف موسيقى سينمائية عميقة التأثير. وعندما عرض الفيلم في اليونان، استقطب أعداداً قياسية وبقي عاماً كاملاً في صدارة شباك التذاكر.
في ديسمبر من العام نفسه أعيد إصدار فيلم ريدلي سكوت Blade Runner، في نسخة مرممة بمناسبة مرور 25 عاماً على ظهوره. وصدرت أيضاً مجموعة Blade Runner Trilogy من ثلاث أسطوانات تضم موسيقى فانجيليس للفيلم.
في مايو 2008 منحته جامعة أثينا الوطنية والكابوديسترية دكتوراه فخرية ولقب أستاذ فخري، تقديراً لإسهاماته في الثقافة الموسيقية اليونانية ونشره رسالة الهيلينية في العالم. وفي ديسمبر ساهم بموضوعي البداية والنهاية للفيلم الوثائقي البولندي Swiadectwo عن البابا يوحنا بولس الثاني، كما رآه الكاردينال ستانيسلاف دجيفيش.
في 11 ديسمبر 2011 دعت دولة قطر فانجيليس إلى تصور وتصميم وإخراج وتأليف موسيقى افتتاح مسرحها المكشوف ذي الطراز اليوناني في كتارا. وتحت ضوء القمر قرب بحر العرب، شهد عدد من قادة العالم والشخصيات الدولية حفله الموسيقي الذي حمل عنوان "الأمل"، وذلك ضمن المنتدى السنوي الرابع لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة في الدوحة. وشارك في الحفل النجمان أنجيلا غورغيو، سوبرانو، وروبرتو ألاغنا، تينور، إلى جانب عرض ضوئي للفنان الألماني الراحل غيرت هوف.
في 2014 عاد فانجيليس إلى موسيقى السينما عندما ألّف موسيقى فيلم Crépuscule des Ombres، المعروف أيضاً باسم Twilight of Shadows. أخرج الفيلم المخرج الجزائري الكبير محمد لخضر حامينا، الذي طالما تناولت أعماله كفاح الشعب الجزائري وكرامته. ومن خلال أحداث تدور أثناء حرب الجزائر، أتاح الفيلم لفانجيليس فرصة أخرى للتعبير عن الصراع الإنساني بالصوت، فأضافت موسيقاه بعداً إلكترونياً جوياً إلى دراما الصحراء القاسية، وعمقت توتر القصة ولونها العاطفي.
في 2016 أصدر فانجيليس Rosetta، وهو ألبوم استوديو جديد استلهم مهمة وكالة الفضاء الأوروبية التاريخية "روزيتا". فقد قطعت المركبة الفضائية رحلة استمرت سنوات قبل أن تبلغ المذنب 67P/تشوريوموف-غيراسيمينكو، حيث صنع مسبار فيلة لحظة تاريخية. استجاب فانجيليس لهذا الإنجاز العلمي بموسيقى تتطلع إلى ما وراء التقنية، نحو سر الفضاء نفسه. وواصل الألبوم افتتانه الطويل بالكون، بعد أعمال مثل Albedo 0.39 وMythodea، فجاء تحية مهيبة لفضول الإنسان ورغبته الدائمة في بلوغ المجهول.
أيضاً في 2001، عاد فانجيليس إلى كتابة موسيقى للمسرح، فألّف موسيقى لإنتاج ثلاثية يونانية كلاسيكية قدمته الممثلة اليونانية إيرين باباس. كما كتب موسيقى لنسخة المخرج المجري غيورغي شفاجداس من مسرحية شكسبير The Tempest (العاصفة)، التي عرضت في بودابست.
في 2002 ألّف فانجيليس النشيد الرسمي لكأس العالم لكرة القدم، التي استضافتها اليابان وكوريا. أدي النشيد في حفلة الافتتاح في بوسان، وضم عناصر من الآلات الكورية واليابانية التقليدية. وقد أثار إحساساً بوحدة العالم وأشعل شغفاً كبيراً باللعبة.
لم تكن اهتمامات فانجيليس الفنية محصورة في التأليف الموسيقي. فمنذ طفولته كان شغوفاً بالرسم والنحت. وفي 2003 قرر أن يعرض أعماله الفنية للمرة الأولى، فوافق على عرض 70 لوحة ضمن احتفال بينالي فالنسيا في إسبانيا.
بعد نجاح معرض Vangelis Pintura، عرضت أعماله الفنية لاحقاً في عدد من الصالات المرموقة حول العالم. ولم يكن ذلك إنجازه الوحيد في 2003، إذ صدر له كتاب يضم مختارات من أفضل أعماله الفنية تحت عنوان بسيط هو Vangelis.
في السنة نفسها تلقى فانجيليس ميدالية ناسا للخدمة العامة، تقديراً لإسهاماته البارزة في رؤية الوكالة. وتمثل هذه الميدالية أعلى تكريم تمنحه ناسا لأفراد من خارج الجهاز الحكومي.
في أكتوبر أصدر فانجيليس ألبوم Odyssey - The Definitive Collection. جاء الألبوم احتفاء بمسيرته الموسيقية اللامعة على مدى أكثر من 30 عاماً، وجمع عدداً من أشهر مقطوعاته في رحلة موسيقية عبر الزمن. وشملت المجموعة مقطوعتين جديدتين هما Celtic Dawn والموضوع الرئيسي من فيلم Cavafy.
في 2004 وافق فانجيليس على تأليف موسيقى فيلم أوليفر ستون الملحمي Alexander (الإسكندر)، عن حياة الملك المقدوني الشاب الذي بنى إمبراطورية واسعة في القرن الثالث قبل الميلاد. ومثلت هذه الموسيقى عودته إلى العمل على فيلم سينمائي كبير بعد انقطاع دام 12 عاماً. وقد مزجت الموسيقى، للمرة الأولى في هذا السياق، بين أوركسترا سيمفونية حقيقية ولوحة فانجيليس الصوتية الخاصة، بحيث حمل كل مشهد موسيقاه المصممة له بعناية. ونالت الموسيقى إشادة واسعة، وفازت بجائزة اختيار الجمهور في جوائز الموسيقى التصويرية العالمية لعام 2005.
تبع Voices ألبوم Oceanic، المستلهم من حب فانجيليس لمحيطات الأرض الجميلة. صدر الألبوم في أكتوبر 1996، مستكشفاً غموض العوالم المغمورة ومصوراً حلماً بالإبحار نحو موانئ بعيدة. وقد أظهر Oceanic الجانب السمفوني في موسيقى فانجيليس في أبهى صوره.
في 1997 قبل فانجيليس تكليفاً من اللجنة المنظمة في أثينا لتصميم وإخراج وأوركسترة حفل افتتاح بطولة العالم السادسة لألعاب القوى، التي كان مقرراً إقامتها في أغسطس. وتحول استاد أثينا الأولمبي إلى احتفال مذهل من الضوء والصور والموسيقى والرقص، حضره 60,000 متفرج وبث إلى ملايين المشاهدين حول العالم. وكان ذلك أول ظهور لفانجيليس مخرجاً لحفل بهذا الحجم، كما ألّف موسيقى مهيبة استخدمت في بعض فقراته، وظهر لفترة وجيزة ليؤدي "عربات النار" على البيانو الكبير.
كان لرسام القرن السادس عشر إل غريكو أثر عميق في فانجيليس. وعندما علم أن المتحف الوطني في أثينا يسعى إلى اقتناء لوحة إل غريكو "القديس بطرس"، سجل ألبوماً تحية للفنان بعنوان A Tribute to El Greco. صدر الألبوم في طبعة محدودة من 3,000 نسخة، لم تكن متاحة إلا من المتحف الوطني في أثينا، وخصص ريعها لدعم هدف المتحف.
وفي 1998 صدر الألبوم تجارياً باسم El Greco. كشفت الموسيقى جانباً أكثر صفاءً وتأملاً في عالم فانجيليس، ورحب المستمعون بحرارتها الروحية، وشارك فيها التينور اليوناني كونستانتينوس بالياتساراس والسوبرانو الإسبانية مونتسيرات كاباليه.
في 1999 كلف فانجيليس بإبداع موسيقى ترافق كشف الستار عن الشعار الرسمي لدورة الألعاب الأولمبية 2004. وبعد عام، في 2000، اختير مديراً فنياً لمراسم تسليم العلم الأولمبي في سيدني. وفي نوفمبر 1999 صدر أيضاً ألبوم Reprise 1990-1999، جامعاً مختارات من أعماله في عقد التسعينيات، ومن بينها موضوع فيلم Bitter Moon غير المنشور سابقاً ومقطوعة Psalmus Ode.
في 28 يونيو 2001 كان كوكب المريخ في أقرب موقع له من الأرض منذ أكثر من عقد، وفي ذلك الوقت قدم فانجيليس سمفونيته الكورالية الفضائية Mythodea في معبد زيوس الأولمبي في أثينا. وكانت أول حفلة من نوعها تقام في ذلك الموقع القديم المقدس. حظيت المناسبة بمشاركة وكالة الفضاء الأميركية ناسا، التي اختارت موسيقاه لمرافقة مهمة 2001 Mars Odyssey. وأدت العمل السوبرانو كاثلين باتل وجيسي نورمان، بمشاركة أوركسترا متروبوليتان لندن وجوقة أثينا الوطنية. وبعد الحفل تلقى فانجيليس من الجمهورية الفرنسية لقب فارس جوقة الشرف، تقديراً لإسهاماته المميزة. وقد سجل الحفل وصدر لاحقاً على الفيديو، كما صدر ألبوم Mythodea: Music for the NASA Mission: 2001 Mars Odyssey.
خلال مسيرته الغنية تلقى فانجيليس عدداً من الجوائز والألقاب الفخرية، ومن أبرزها وسام فارس الفنون والآداب الذي منحته إياه الجمهورية الفرنسية في 1992 تقديراً لإسهاماته المهمة في الفنون.
في يوليو 1994 أتيح للجمهور للمرة الأولى ألبوم الموسيقى التصويرية المنتظر لفيلم Blade Runner، بالتزامن مع إعادة عرض الفيلم. وضم فانجيليس مقطوعات سجلت أصلاً للفيلم لكنها لم تنشر سابقاً. جاء الألبوم مجمعاً بعناية، ملائماً لروح القصة ومبرزاً أهم لحظات هذا العمل السينمائي الأيقوني.
طوال مسيرته اللامعة، تجنب فانجيليس الترويج المباشر لموسيقاه. فقد ندر ظهوره الإعلامي وقلّت مقابلاته، لأنه كان يؤمن بأن الموسيقى ينبغي أن تقبل بقيمتها الذاتية، لا بسطوة الحضور في وسائل الإعلام.
ومع ذلك، قد يأتي الانتشار أحياناً من مصدر غير متوقع. ففي 1995 عاش فانجيليس إحدى أكثر قصصه التجارية إدهاشاً، عندما استخدم ملاكم ألماني موسيقى 1492: Conquest of Paradise موسيقى دخول إلى الحلبة. أثارت الموسيقى حماس الجمهور، ثم انتشرت سريعاً في الإذاعات الأوروبية، قبل أن تصدر كأغنية منفردة وتحقق نجاحاً واسعاً. وفي ألمانيا أصبحت أكثر أغنية منفردة مبيعاً في تاريخ قوائم المبيعات.
وتكرر النجاح مع الألبوم، إذ حصل على شهادات ذهبية وبلاتينية في أكثر من 20 بلداً. ومنذ ذلك الحين أصبح Conquest of Paradise واحداً من أشهر المعزوفات الحديثة، حتى إنه كثيراً ما طغى في الذاكرة العامة على أعمال أخرى معروفة لفانجيليس.
في أواخر 1995 أصدر فانجيليس العمل المؤثر Voices، الذي أدخل فيه الصوت الإنساني إلى موسيقاه بهذه الصورة للمرة الأولى. تميز الألبوم بأغان ذات حس ليلي وتوزيعات أوركسترالية آسرة، وصدرت منه أغنيتان منفردتان: العنوان الرئيسي Voices والأغنية الغامضة Ask the Mountains، التي تضمنت أيضاً المقطوعة النادرة Slow Piece.
وبعد بضعة أشهر، في 1996، طلب المخرج اليوناني يانيس سماراغديس من فانجيليس أن يكتب موسيقى فيلم Kavavis، وهو بورتريه لحياة الشاعر اليوناني الحديث قسطنطين كفافيس. صورت القصة في هيئة حلم يروى من سرير الشاعر الأخير، واعتمد الفيلم على قدر قليل من الحوار وعلى تلاوة شعر كفافيس، بينما دفعت موسيقى فانجيليس السرد إلى عمقه الداخلي. عرض الفيلم في عدد من المهرجانات المرموقة، ونال فانجيليس جائزتين فخريتين عن موسيقاه.
في يوليو 1989 صدر ألبوم التجميع Themes، مستعيداً عشرين عاماً من عمل فانجيليس في موسيقى الأفلام. وضم الألبوم مقاطع لم تنشر سابقاً من Blade Runner وThe Bounty وMissing. وقد أعاد هذا الإصدار تقديم موسيقى فانجيليس إلى جمهور جديد، وحظي بإشادة نقدية واسعة.
وأثناء زيارة إلى روما لكتابة موسيقى فيلم Francesco، ألّف فانجيليس عفوياً سلسلة من المقطوعات في جناحه الفندقي. عكست التسجيلات يوماً في مدينة نابضة بالحياة، من الفجر إلى الغروب، واشتملت على عينات من أصوات الحياة اليومية، حتى يكاد المستمع يتخيل نفسه في قلب المدينة. وصدر الألبوم في العام التالي، 1990، بعنوان The City.
في مايو 1991 كان فانجيليس أحد أعضاء لجنة التحكيم الرسمية في مهرجان كان السينمائي. وبعد أشهر قليلة، في سبتمبر، أصدر جون وفانجيليس عملهما المشترك الرابع Page of Life، وهي مجموعة أغنيات جديدة أعادت تأكيد مكانة الثنائي. وصدرت أغنية Wisdom Chain منفردة ومعها المقطوعة النادرة Sing With Your Eyes.
وفي صيف ذلك العام استضاف فانجيليس حفلاً موسيقياً على مدرج أوديون هيرودس أتيكوس القديم. كان الحفل تحية للفنون والشعر والأدب، وشارك فيه ألن بيتس وفاني أردان والسوبرانو ماركيلا هاتزيانو.
وفي 1991 أيضاً ألّف موسيقى لعدد من الأفلام الوثائقية للبحار الشهير جاك كوستو. كما أعد كوستو وفانجيليس فيلماً خاصاً لقمة الأرض التي عقدت في ريو دي جانيرو عام 1992، لينبه الحاضرين إلى الدمار البيئي الذي يهدد كوكبنا، وإلى المعدل المقلق لتغير المناخ، والأهم إلى الفقر المؤلم المنتشر في العالم.
في 1992 ألّف فانجيليس موسيقى لعرض المخرجة المسرحية نوريا إسبرت لمسرحية Medea، بمشاركة الممثلة إيرين باباس. كما ألّف موسيقى فيلم رومان بولانسكي العاطفي الداكن Bitter Moon، من بطولة كريستين سكوت توماس وهيو غرانت.
وكذلك في 1992، وبعد عقد تماماً من موسيقى Blade Runner، طلب ريدلي سكوت من فانجيليس أن يكتب موسيقى فيلمه الملحمي التالي 1492: Conquest of Paradise. تناول الفيلم إحدى أكثر الشخصيات شهرة في التاريخ، كريستوفر كولومبوس، وتزامن مع الذكرى الخمسمئة لأول رحلة له إلى العالم الجديد. أضفت موسيقى فانجيليس مناخاً عميقاً على الفيلم، وجسدت الإحساس بالنبل، والآمال التي خابت عند الطاقم، ورحلة البحث عن اكتشافات جديدة.
في 1986 أضاف فانجيليس اللمسات الأخيرة إلى عمله التعاوني الثاني مع الممثلة اليونانية إيرين باباس. وكانت مجموعة الأغاني اليونانية قد قدمت أولاً في البندقية بأداء باباس، ثم صدر الألبوم في اليونان بعنوان Rapsodies.
في 25 مايو 1986 أقيمت فعالية "سبورت إيد"، وهي مبادرة خيرية لجمع التبرعات لإغاثة المجاعة في أفريقيا نظمها بوب غيلدوف. بثت صور الحدث مباشرة من أنحاء مختلفة من العالم على موسيقى ألّفها فانجيليس خصيصاً للمناسبة، فأضافت إحساساً بالحماسة والترقب وشجعت المشاهدين على المشاركة والتبرع.
في السنة نفسها أعيد العمل على مسلسل الدكتور كارل ساغان الوثائقي Cosmos تمهيداً لإعادة بثه تلفزيونياً. كان البث الأول عام 1980 قد استخدم مقاطع من أرشيف فانجيليس الموسيقي، أما هذه المرة فكان فانجيليس مشاركاً فعلياً، إذ أعاد أداء مؤلفاته في ضوء جديد وخلق مناخاً أكثر قوة، كما شارك في صياغة مقدمة جديدة حملت الرسالة الإنسانية للبرنامج على نحو بليغ.
في صيف 1986 سافر فانجيليس إلى لوس أنجليس. وخلال تلك الفترة ألّف على لوحة مفاتيح محمولة في غرفته بالفندق، وهناك كتب ثالث مؤلفاته للباليه الملكي، Beauty and the Beast، الذي عرض للمرة الأولى في ديسمبر. تضمن الباليه تصاميم مسرحية باذخة لجان ميشيل بينكوفسكي. كما قدم فانجيليس حفلاً منفرداً نادراً في القاعة الملكية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، ارتجل فيه كثيراً من مؤلفاته المعروفة.
في 1987 تلقى فانجيليس دعوة من وزيرة الثقافة اليونانية ميلينا ميركوري لإحياء حفلتين على مدرج أوديون هيرودس أتيكوس القديم في أثينا، دعماً لصندوق الحفاظ على الأكروبوليس.
بعد 13 عاماً، أغلقت استوديوهات نيمو الأسطورية في لندن أبوابها. وبحلول منتصف الثمانينيات، صار فانجيليس قادراً على الاحتفاظ بنسخة مصغرة من استوديو التسجيل الكبير، لا تتجاوز مساحة مكتب صغير. أتاح له ذلك أن يسافر بحرية حول العالم وأن يواصل تسجيل موسيقاه يومياً من أي مكان.
كان أول ألبوم يكتبه بعد مرحلة استوديوهات نيمو هو Direct، الصادر في سبتمبر 1988. ضم الألبوم مجموعة ملونة ورقيقة من الموسيقى السمفونية، تنساب بسهولة وتستحضر إحساساً بالتفاؤل بالحياة. وقد مثل هذا الإصدار بداية جديدة لفانجيليس، حاملاً تجاربه الصوتية إلى العقد التالي.
في يونيو 1984 ألّف فانجيليس موسيقى فيلم Mutiny on the Bounty، من إخراج روجر دونالدسون وبطولة أنطوني هوبكنز وميل غيبسون. كان الفيلم معالجة تاريخية دقيقة لتمرد السفينة البريطانية الشهيرة Bounty. وتظهر الموسيقى تنامي ثقة فانجيليس بقدرته على كتابة موسيقى معاصرة لفيلم تاريخي، إذ حملت توزيعات سمفونية قوية تعكس رحلة السفينة المضطربة وتصاعد التوتر بين طاقمها وضباطها.
لكن نجاحه في موسيقى الأفلام لم يصرفه عن مواصلة اكتشافاته الشخصية في عالم الموسيقى. كان مشروعه التالي عن دورة الحياة والطبيعة الأم، وهو أول ألبوم منفرد له منذ ثلاث سنوات: Soil Festivities، الصادر في سبتمبر 1984. تعبر الموسيقى عن التفاعل بين الطبيعة وكائناتها المجهرية، وتلتقط تحولات الطبيعة المفاجئة والدرامية. وقد حظي الألبوم بتقدير محبي الموسيقى الذين رأوا فيه عملاً رفيعاً، رغم أنه من بين أعمال فانجيليس الأقل سهولة في التلقي.
واصل فانجيليس تعاونه مع صانع الأفلام فريدريك روسيف، ففي ديسمبر 1984 وضع الموسيقى لفيلم الحياة البرية Sauvage et Beau. أضفت الموسيقى خفة وسحراً خاصين على حيوانات روسيف المصورة في بيئاتها الطبيعية، ثم عرض الفيلم في دور السينما في أنحاء أوروبا.
في فبراير 1985 صدر ألبوم Invisible Connections. وبينما ركز Soil Festivities على الطبيعة في مستواها المجهري، اتجه هذا العمل إلى عمق أبعد، مستكشفاً عالم الجسيمات الأولية. ولفت الانتباه إلى عالم لا تراه العين، مجرد من العاطفة البشرية، يصعب فيه إدراك مرور الزمن.
وبعد شهر واحد أصدر فانجيليس ألبوم Mask، حيث ارتقت استكشافاته الموسيقية من عالم الجسيمات إلى عالم أكثر قرباً من الإنسان. يتأمل الألبوم فكرة القناع، ذلك الأثر القديم الذي استخدم للتخفي أو التسلية. وقد ازدانت الموسيقى، بمشاركة الجوقة الإنجليزية، بلحظات تأملية مجيدة وتوزيعات صوتية رفيعة.
في يوليو من العام نفسه كتب موسيقى باليهه الثاني Frankenstein: The Modern Prometheus. عرض الباليه للمرة الأولى في لندن على مسرح دار الأوبرا الملكية، وأدته فرقة الباليه الملكي. وضع تصميم الرقص مدير الفرقة وين إيغليغ، وصمم أزياء العرض الباذخة مصمم الأزياء الشهير ديفيد إيمانويل.
في نوفمبر 1981 أصدر جون وفانجيليس أغنية منفردة بعنوان I’ll Find My Way Home. سجلت الأغنية في أمسية واحدة وصدرت سريعاً، ثم صعدت قوائم الأغنيات البريطانية لتبلغ المراكز العشرة الأولى. وأعيد إصدار ألبوم The Friends of Mr Cairo في يناير 1982 ليضم هذه الأغنية التي أصبحت لاحقاً من أنجح أغنياتهما في المملكة المتحدة وأوروبا.
في 1982 وضع فانجيليس موسيقى فيلم الخيال العلمي Blade Runner، الذي أخرجه ريدلي سكوت وعرض في أواخر صيف ذلك العام. كان الفيلم اقتباساً حراً من رواية فيليب ك. ديك Do Androids Dream of Electric Sheep?. وجاءت موسيقى فانجيليس منسجمة بسلاسة مع قوة الصورة وسحر السرد، موسعة الحس السمعي وجاذبة المشاهد إلى رؤية ريدلي سكوت. ورغم أن الفيلم لم ينجح في شباك التذاكر في البداية، فقد أصبح لاحقاً من كلاسيكيات السينما الخالدة، يحظى بتقدير النقاد ومحبي الخيال العلمي حول العالم.
صدر ثالث ألبومات جون وفانجيليس الغنائية Private Collection في مايو 1983، وكان أكثر أعمالهما صفاءً وتأملاً حتى ذلك الوقت. ودعم الألبوم بأغنية منفردة هي And When the Night Comes، ثم تبعتها He Is Sailing بعد بضعة أشهر.
وفي العام نفسه كتب فانجيليس موسيقى الفيلم الياباني Antarctica، من إخراج كوريوشي كوراهارا. عرض الفيلم في اليابان في يوليو 1983، وهو يستند إلى قصة حقيقية عن بعثة علمية إلى القارة القطبية الجنوبية عام 1958. وبسبب سوء الأحوال الجوية اضطر الفريق إلى العودة، تاركاً وراءه كلاب الزلاجات لتواجه وحدها البقاء عند القطب الجنوبي.
لم يكتف فانجيليس بكتابة الموسيقى للأفلام. ففي أوائل الثمانينيات بدأ يؤلف للباليه والمسرح، فكتب موسيقى باليه R B Sque دعماً لمنظمة العفو الدولية، بتصميم رقص لوين إيغليغ من مدرسة الباليه الملكي، وعرض على مسرح دروري لين الملكي. كما كتب موسيقى عرض المخرج مايكل كاكويانيس للمأساة اليونانية Elektra، بمشاركة الممثلة إيرين باباس، وقدمت المسرحية على المسرح القديم المفتوح في إبيداوروس باليونان.
في 1981 ألّف فانجيليس موسيقى فيلم بريطاني منخفض الميزانية، أخرجه هيو هدسن وأنتجه ديفيد بوتنام، وهو Chariots of Fire (عربات النار). يستند الفيلم إلى قصة حقيقية عن عداءين بريطانيين شاركا في أولمبياد 1924، وكانا من أسرع العدائين في العالم. اختلفت دوافعهما وخلفيتاهما الاجتماعية، ولم يحظ الفيلم في البداية بدعم كبير من صناعة السينما، لكنه عندما عرض على الجمهور أشعل الخيال العام بحماسة لافتة.
ومن المرجح أن النجاح الواضح للفيلم يعود إلى موسيقاه الملهمة والصاعدة. فقد جعلت موسيقى فانجيليس الشخصيات أكبر من حياتها اليومية، وربطت الجمهور بها عاطفياً. وأصبح الفيلم الآن عملاً كلاسيكياً عن البطولة وروح الرياضة الأولمبية. وفي مارس 1981 صدر ألبوم Chariots of Fire، وضم عدداً من الموضوعات الموسيقية المؤثرة من الفيلم، ثم طور فانجيليس هذه الموضوعات إلى مؤلفات كاملة أضافت إلى نجاح الفيلم العالمي.
في يوليو 1981 أصدر فانجيليس وجون أندرسون ثاني ألبوماتهما الغنائية المشتركة، The Friends of Mr Cairo. كان الألبوم تحية لسحر السينما وعصرها الذهبي، وضم أغنية State of Independence التي أصبحت من أكثر أعمالهما احتراماً، وأعاد أداءها لاحقاً عدد من الفنانين البارزين.
في أكتوبر 1981 كتب فانجيليس موسيقى فيلم فريدريك روسيف الوثائقي عن حياة الرسام الكبير بابلو بيكاسو، بعنوان Pablo Picasso Painter. كان الفيلم كولاجاً من لحظات مؤثرة في حياة الفنان العالمي، وكان روسيف قد بدأ العمل على المشروع قبل 30 عاماً، حين نشأت صداقته مع بيكاسو. وكان هذا ثالث عمل لروسيف عن كبار الرسامين يضع فانجيليس موسيقاه، بعد جورج ماتيو وجورج براك.
في فبراير 1982 كتب فانجيليس موسيقى فيلم المخرج اليوناني كوستا غافراس Missing، الذي أشاد به النقاد، من بطولة جاك ليمون وسيسي سبيسك. يستند الفيلم إلى قصة سياسية واقعية حصدت عدداً من الجوائز الدولية. وقد أبرزت الموسيقى ألم فقدان عزيز وسط اضطراب سياسي مشحون، وكشفت جانباً آخر من قدرة فانجيليس على التقاط العاطفة الإنسانية الخام، كما ظهر بوضوح في اللحن الرئيسي المؤثر للفيلم.
بحلول 1982 كان فيلم "عربات النار" قد رسخ مكانته عملاً مؤثراً يأسر الجمهور في أنحاء العالم. وفي مساء 29 مارس أقيم حفل جوائز الأكاديمية في لوس أنجليس، وحصد الفيلم أربع جوائز أوسكار، بينها جائزة لفانجيليس عن موسيقاه المتألقة. كان ذلك اعترافاً مهماً بعبقريته الموسيقية، إذ كان أول فنان يضع موسيقى أوركسترالية كاملة لفيلم كبير باستخدام الآلات الإلكترونية. وبعد الحفل صعدت الأغنية المنفردة والألبوم في قوائم الموسيقى الأميركية حتى بلغا المركز الأول.
في يوليو 1978 أصدر فانجيليس ألبومه التالي Beaubourg. كتبه بإلهام متجدد بعد زيارة مركز بومبيدو في باريس، ثم ألفه وسجله في استوديوهات نيمو في لندن. دعا الألبوم المستمع إلى النظر إلى الموسيقى من زاوية جديدة، متحرراً من الأفكار المسبقة عن الموسيقى الغربية.
وفي وقت لاحق من العام نفسه عاد فانجيليس موسيقياً إلى جذوره، حين تعاون مع الممثلة اليونانية إيرين باباس في ألبوم Odes. جمع الألبوم أغاني شعبية يونانية تقليدية، ومنح حياة جديدة لأغان أهملت طويلاً، معيداً وصلها بالجمهور في العصر الحديث. وحقق الألبوم نجاحاً فورياً في اليونان، ثم صدر عالمياً في العام التالي.
وأصدر فانجيليس أيضاً في 1978 ألبوم Opéra Sauvage، وهو العمل الكامل المطور من موسيقاه لمسلسل فريدريك روسيف الوثائقي التلفزيوني. احتوى الألبوم ألحاناً مدهشة ولحظات تأمل عميقة، وأظهر موسيقى فانجيليس في أكثر صورها السمفونية ثراءً حتى ذلك الوقت.
في ربيع 1979 أنتج فانجيليس ألبوماً جديداً بعنوان China. كان مفتوناً بالبلد وأهله وتقاليده الموسيقية القديمة، وأتاح له الألبوم اكتشاف مشهد موسيقي جديد، دافعاً مزجه السمفوني بين الإلكتروني والأكوستيكي إلى مدى أبعد من ذي قبل.
وفي 1979 أيضاً بدأ فانجيليس تعاوناً غير مخطط له لكنه مثمر مع المغني جون أندرسون. عمل الموسيقيان بطريقة مباشرة، وأنجزا خلال أيام قليلة مجموعة من الأغاني المرتجلة مع قدر ضئيل من الإضافات التسجيلية. صدرت الأغاني في يناير 1980 باسم "جون وفانجيليس"، وحمل الألبوم عنوان Short Stories، فحقق شعبية ونجاحاً في القوائم لكلا الفنانين.
في يونيو 1980 صدرت لفانجيليس أغنية منفردة بعنوان My Love، ومعها أغنية Domestic Logic One. كانت الأغنية تمهيداً لألبوم See You Later، الصادر في يوليو، وهو عمل ساخر يتأمل المستقبل القاتم للمجتمع الحديث ويطرح أسئلة عن معنى الحياة نفسها. واستخدم فانجيليس مساهمات صوتية من ضيوف لتأكيد فكرة الألبوم.
في سبتمبر 1980 أحدث مسلسل وثائقي علمي أميركي ضجة عالمية، هو Cosmos للدكتور كارل ساغان. أعاد البرنامج إيقاظ اهتمام العالم بالعلوم، بفضل طريقة ساغان الهادئة في تقديمها وجعلها قريبة من الناس. وكان أحد أهم عناصر تأثيره الموسيقى؛ فقد استخدم المسلسل مقاطع من أرشيف فانجيليس الموسيقي خلال السنوات الثماني السابقة، ولا شك أن تلك الموسيقى أسهمت في جاذبيته العالمية.
في 1973 أصدر ألبومه المنفرد الثاني Earth. اتسم هذا العمل، القائم على الإيقاعات، بظلال بيزنطية واضحة تعكس صلة فانجيليس بجذوره. ورافق الألبوم حفل أقيم في مسرح الأولمبيا في باريس في فبراير 1974، حظي بإشادة الصحافة لأنه أظهر براعته على عدد من الآلات الموسيقية.
في تلك الفترة بدأ فانجيليس ينال اعترافاً جديداً في المشهد الموسيقي. وفي 1975 قرر الانتقال إلى لندن، حيث أسس استوديوهات نيمو، وهي مختبر كبير للتجريب والتسجيل الصوتي. حقق هذا المكان طموحاً قديماً لديه، إذ وفر له بيئة يطور فيها أفكاره الموسيقية ويجربها، ويؤلف من دون قيود أو حدود.
كان أول ألبوم خرج من استوديوهات نيمو هو Heaven and Hell، الصادر في نوفمبر 1975. ضم الألبوم سمفونية كورالية مؤلفة بالكامل على لوحات المفاتيح، مع إيقاعات وآلات عزفها فانجيليس بنفسه، وشاركت فيه الجوقة الإنجليزية المرموقة. وقد قدمت الموسيقى أولاً في قاعة ألبرت الملكية ونالت استحساناً نقدياً كبيراً، ورسخ الألبوم مكانة فانجيليس في المشهد الموسيقي العالمي.
وفي العام نفسه أصدر فانجيليس موسيقى فيلم فريدريك روسيف La Fête Sauvage، وهو وثائقي عن الحياة البرية أعد للسينما، وضم أحد أوائل أشكال "الموسيقى العالمية"، جامعاً الإيقاعات الأفريقية بالموسيقى الغربية الحديثة.
وجاء بعد Heaven and Hell ألبوم Albedo 0.39، الصادر في سبتمبر 1976. كان عملاً موضوعياً عن الكون وأصوله وولادة النجوم وموتها، ورحلة في استكشاف الإنسان للفضاء الخارجي.
في 1977 أعاد فانجيليس إصدار موسيقاه لفيلم ¿No Oyes Ladrar Los Perros?، من إخراج المخرج الحائز جوائز فرانسوا رايخنباخ. يستند الفيلم إلى رواية للكاتب اللاتيني الأميركي المعروف خوان رولفو، وتدور قصته حول فلاح فقير يحمل ابنه الجريح عبر المنظر المكسيكي بحثاً يائساً عن طبيب.
وفي ديسمبر 1977 صدر أيضاً ألبوم Spiral، مستلهماً الفلسفة الطاوية القديمة ومستكشفاً طبيعة الكون في حركته الحلزونية. يفيض الألبوم بأصوات مذهلة، ويضم المقطوعة الخالدة To the Unknown Man، التي نال عنها فانجيليس جائزة مايدم الدولية للمعزوفات عام 1978.
فانجيليس
ولد فانجيليس في أغريا، قرب مدينة فولوس الساحلية في اليونان. وقد ظهرت موهبته الموسيقية الفطرية منذ سن الرابعة، وبعد عامين فقط، وهو في السادسة، قدم أول أداء علني له، عازفاً على البيانو مقطوعات من تأليفه. كان ذلك أمراً استثنائياً لطفل صغير لم يتلق تدريباً موسيقياً رسمياً.
في تلك السنوات المبكرة لم يكن فانجيليس يكتفي بعزف الألحان، بل كان يريد أن يخلق أسلوبه الموسيقي الخاص. كان شديد الشغف باكتشاف أصوات جديدة وفهم طبيعة الضجيج من حوله. ولم تغب موهبته عن مدرسته أو أسرته، فشجعوه على متابعة موهبته الطبيعية وعلى الالتحاق بأكاديمية موسيقية للتدريب الرسمي. إلا أن فانجيليس الصغير لم يكن مهتماً بأن يصبح عازف بيانو كبيراً أو قائداً للأوركسترا، ولم يكن يقصد أن يجعل الموسيقى مهنة له. كان يفضل التجريب بالأصوات الجديدة، ومع مرور الوقت طور أسلوبه الفريد. وفي مراهقته كان لديه تعطش أصيل للمعرفة الموسيقية، ورغبة في دفع الحدود كلها، بما في ذلك حدود بلده اليونان.
في أواخر الستينيات انتقل إلى باريس ليؤسس فرقة الروك التقدمي اليونانية المؤثرة Aphrodite’s Child. وإلى جانب عمله مع الفرقة، كان فانجيليس ينتج موسيقى للسينما والتلفزيون. وفي 1970 بدأ شراكة خلاقة مع أسطورة الفيلم الوثائقي فريدريك روسيف، ألّف خلالها موسيقى لعدد من الأفلام الوثائقية عن الفنون والحياة البرية.
كان أشهر هذه الأعمال موسيقى السلسلة التلفزيونية عن الحياة البرية L’Apocalypse des Animaux. في هذا العمل مزج فانجيليس بنية من الأصوات الإلكترونية بالآلات الأكوستيكية. وكانت الموسيقى فرصة ممتازة لتطوير أفكار خلاقة جديدة، بعيداً عن الضغوط التجارية المعتادة. وقد أصبح المشروع منصة مثالية لإظهار موهبته في تأليف موسيقى تعبيرية وتوظيف الآلات الإلكترونية التي تبناها.
تركت اضطرابات الطلاب في باريس عام 1968 أثراً عميقاً في فانجيليس، إذ عاشها مباشرة عند وصوله إلى المدينة وسط المظاهرات. وفي 1972 صنع ألبوماً متأثراً بتلك الأحداث، قدمه بوصفه وثيقة صوتية تلتقط ردود فعل الناس في الشوارع. وقد نسج هذه الأصوات بشاعرية مع ترانيم وموسيقى حالمة.